في حيّ عراقي
أفرغت المحوّلة
ما بقي في حلقها
بفرقعة.
وفهمت البيوت.
لا بيان.
لا تفسير.
ثلاجة
انطبقت على ما بقي
من برودتها،
ومروحة
توقفت وفي جناحها
نصف دورة،
ومكيّف
معلّق على الجدار
يتذكر الهواء.
كانت الشمس قد غابت،
لكنها تركت نهارها
وديعةً في الإسمنت.
من غرفة بعيدة:
— إجت؟
ظل السؤال
معلّقاً في العتمة.
ثم سعل محرّك
في آخر الزقاق،
فتسلّمت الليل
جهةٌ أهلية.
— إجت!
لم يسأل أحد:
مَن؟
فالاسم الوحيد
الذي يدخل البيت
بهذا الصراخ
معروف.
امتدت الهواتف
نحو الشحن.
دخل الغسيل
دورته المؤجلة.
فتحت الثلاجة
ذاكرتها الباردة.
واندفعت الأجساد
نحو الهواء.
في دقائق
حاول البيت
أن يسترد يوماً كاملاً:
أن يغسل،
ويبرّد،
ويشحن،
ويتنفس.
لم تصل الكهرباء.
وصلت مهلة.
وظل الأب
يراقب المصباح،
يقرأ في ارتعاشه
جدول القطع
الذي لم يُنشر.
يسمونها:
الوطنية.
كأن الوطن
يعبر العتبة
على سلك.
تدخل،
تضيء أشياءنا،
ثم تترك اسمها
وتغادر.
أما المولدة
فلا تحتاج إلى وطن.
لها محرّك،
ودفتر،
وسلك
يعرف الطريق.
هناك
لا يسألون المواطن:
مَن أنت؟
بل:
— كم أمبير؟
خمسة
ليحرس الطعام
من الفساد.
عشرة
ليشتري من تموز
غرفةً واحدة.
وأكثر
إذا أراد
أن يتنفس البيت كله
في الوقت نفسه.
هكذا
خرج الأمبير من الفيزياء
وصار مساحةً من الهواء
يشتريها الراتب.
وحين تنطفئ الوطنية
نتساوى للحظة.
ثم تعيدنا الأسلاك
إلى طبقاتنا.
الكهرباء
قد تنسى الطريق.
القائمة لا تنساه.
تعرف الاسم،
والعنوان،
ورقم الحساب،
وتصل كاملة
حين يصل التيار
منقوصاً.
وفي أسفلها
يقف المبلغ
هادئاً،
دقيقاً،
بثقة
لا تعرف القطع.
ينظر الرجل
إلى القائمة،
ثم إلى العداد،
ثم إلى المصباح،
كأن الحقيقة
وُزّعت على ثلاثة شهود
لا يتفقون.
يدفع لما جاء.
ويدفع
لما لم يأتِ.
ويشتري للبطارية
عمراً ثالثاً
كي تعبر به الأسرة
المسافة
بين الكهرباء
والكهرباء.
على الورقة
كل شيء محسوب،
إلا نوم طفل،
وطعام خسر برودته،
وساعة عمل
أكلتها شاشة سوداء،
وجسد
جلس أمام مكيّف مطفأ
ينتظر الهواء.
فالعداد
يعرف ما مرّ في السلك.
ولا يعرف
ما مرّ في الإنسان.
وفي آخر الشهر
يطوي الرجل الإيصال.
في جيبه
دليل رسمي
أنه دفع
ثمن الحضور
وثمن الغياب.
على القائمة
كلمة بلا حركات:
الدَِين.
فتحة صغيرة
تهبط بها إلى الجيب.
وكسرة صغيرة
ترفعها
إلى مكان
لا تقيسه العدادات.
وبين الحركة والحركة
ذمّة كاملة.
ظل الرجل
يتأمل الكلمة.
قالوا:
ما استهلكته
حق عليك.
هزّ رأسه.
فالحق
لا يخيفه.
ما يحيره
أن العقد يعرف جيداً
طريق المواطن إلى الدولة،
ولا يبدو أنه حفظ
طريق الضوء
إلى البيت.
هو مطالب
أن يوفي.
أما التيار
فلا توقيع له
أسفل الصفحة.
لا بند يقول:
تعهّدتُ أن أصل.
لا خانة
لليلة لم تأتِ.
ولا غرامة
على ساعة
تركت الجسد
وحيداً مع تموز.
وقف الرجل
بين العداد والقائمة
كطرف واحد
في عقد
يفترض أن له طرفين.
ثم خطر له:
إذا كان ما وصل
يخلق دَيناً،
فماذا يخلق
ما لم يصل؟
لم يجب العداد.
فهو مكلّف
بقراءة الأرقام،
لا الذمم.
طوى الرجل القائمة
بحذر،
كي لا تختلط عليه
ذمته
بذمة الدولة.
قالوا:
المغذّي خارج الخدمة.
أعاد الرجل الاسم:
المغذّي.
كلمة سخية
لسلك
لم يُطعم البيت
غير الانتظار.
ثم قالوا:
اختناق في الشبكة.
نظر إلى صدر أبيه
وهو يبحث عن النوم،
وفكر
أن بعض المصطلحات الفنية
تعثر على معناها الحقيقي
بطريق الخطأ.
ثم جاءت الكلمة الأوسع:
الضائعات.
لم يكن الضائع
بعض الكهرباء فقط.
ليلة
خرجت من النوم.
طعام
خرج من صلاحيته.
عمل
توقف في منتصف الشاشة.
درس
انطفأ
قبل أن تبلغ الجملة نهايتها.
ومال
غادر الراتب
ليشتري
ما غاب عن السلك.
في التقرير:
توليد.
نقل.
توزيع.
أحمال.
ضائعات.
وفي البيت:
ماء.
نوم.
هواء.
ولا تلتقي اللغتان
إلا حين تصل الفاتورة.
يسألون:
كم ضاع من الطاقة؟
ويبقى خارج الخانة
سؤال آخر:
أيُّ جزءٍ من الإنسان
دخل في الضائعات؟
قالت النشرة:
خمسون درجة.
لكن الرقم
لم يدخل البيت.
لو دخل
لعرف أن الجدار
لا يبرد بعد الغروب،
بل يبدأ ليلاً
بإعادة النهار
إلى الغرفة.
وأن الوسادة
تستهلك جهتيها
قبل أن ينام الرأس.
وأن الطفل
يستيقظ
لا من حلم،
بل من توقف الهواء.
تبلل الأم
قطعة قماش.
يفتح الأب الباب
كأن خلفه
نسخةً أخرى من الطقس.
لا شيء.
الزقاق
يكمل حرارة الغرفة.
والسطح
يكمل حرارة الزقاق.
حتى الحديد
يعيد اليد
إلى صاحبها.
صار الليل
يُقاس
بعدد المرات
التي يستيقظ فيها الجسد.
ولم تعد الخمسون
درجةً للجو.
صارت سؤالاً:
كم يبقى من الإنسان
بعدها؟
وفي الصباح
تعلن النشرة
درجة الحرارة من جديد.
أما درجة الإنسان
فتظل
خارج أجهزة القياس.
في قلب بغداد
اسم أخضر.
يسمونها:
الخضراء.
لكن الأسماء
لا تُبرّد بيتاً.
خارجها
تتدلّى الأسلاك
من سطح إلى سطح،
وتتمدّد الضرّاء
بلا سور:
في غرفة
انقطع عنها الهواء،
في ثلاجة
تفاوض ما فيها
على ساعة أخرى،
في طفل
نام على جهة
واستيقظ على حرارتها،
وفي رجل
صار يعرف صوت المولدة
أكثر مما يعرف
صوت الدولة.
أما السرّاء
فلم تعد كلمة كبيرة.
قد تكون
مصباحاً أكمل ليلته،
أو مكيّفاً
لم يتوقف في منتصف النفس،
أو ماءً
احتفظ بشيء من برودته،
أو طفلاً
وصل إلى الصباح
من دون أن يوقظه تموز.
لا يعرف الرجل
كم يبقى الضوء هناك.
ولا يحتاج إلى رقم.
يكفي
أن السؤال نفسه
صار جزءاً من الشبكة.
في النهار
ترسم الخرائط بغداد.
وفي الليل
يعيد الضوء
رسمها:
هنا نافذة تختفي،
وهناك
شيء لا يزال مضيئاً.
فيتساءل:
هل للتيار
معرفة بالأسماء؟
هل يقرأ العناوين
قبل أن يسري؟
ثم ينظر
إلى عتمة بيته:
لعل المشكلة
ليست أن في بغداد
منطقةً اسمها الخضراء،
بل أن تتمدد الضرّاء
خارج الأسوار،
وأن تصبح السرّاء
اسماً آخر
لساعة كهرباء.
كان البيت القديم
يعرف تموز
بالاسم.
لم ينتظر الكهرباء
كي يبدأ
مفاوضته مع القيظ.
كان السرداب
يخفّض صوت النهار.
والسطح
يستقبل الليل
بلا جهاز وسيط.
وكانت الشناشيل
تقطع الشمس
إلى حصص صغيرة.
والجدار السميك
يؤخر القيظ
حتى يصل
وقد خسر شيئاً
من شراسته.
وفي الفناء
قليل من الماء
يعيد ترتيب الهواء.
وجرّة
تقوم بوظيفتها
من دون قابس.
لم يهزم البيت
الصيف.
كان فقط
أذكى في التفاوض معه.
ثم خفّت الجدران،
واتسع الزجاج،
وصار المكيّف
نافذةً،
والمروحة
ريحاً،
والثلاجة
شتاءً صغيراً
في المطبخ.
وصار البيت كله
يوقّع عقد تنفسه
مع مفتاح.
إذا نزل،
سقط البيت
إلى حرارة الجسد.
وفوق السطح
تقف وحدات التكييف مطفأة،
أعضاء تنفس
أُخرجت من أجسادها.
كان البيت القديم
يعرف كيف يعيش في الصيف.
أما البيت الحديث
فيعرف جيداً
كيف ينتظر الكهرباء.
دخل المستقبل
إلى البيت العراقي
مرات كثيرة.
دخل هاتفاً
يحمل العالم
في كف.
دخل شاشةً
أرقّ من جدار.
دخل قمراً
يرى السطح
من خارج الأرض.
ودخل شبكةً
تقطع المسافات
في لحظة.
كل شيء
تعلّم أن يصل.
إلا الضوء
إلى مفتاحه.
كبر الأب
وهو ينتظر.
وكبر الابن
وهو يحفظ
صوت المولدة.
وقد يعرف الحفيد
من رائحة الديزل
أن الليل
بدأ نوبته الثانية.
تغيّرت الأشياء
حول العتمة.
أما العتمة
فاحتفظت
بنسختها الأولى.
كل جيل
سلّم الذي بعده
بيتاً،
وصورةً،
واسماً،
وموعداً تقريبياً
للكهرباء.
حتى المشكلة
صار لها أحفاد.
مرّ المستقبل
من هنا كثيراً.
وفي كل مرة
ترك الاستقرار
خلف الباب.
ولهذا
لم يعد السؤال:
متى سيأتي المستقبل؟
بل:
إذا جاء،
هل سيحتاج هو أيضاً
إلى بطارية؟
فوق العراق
الضوء فائض.
ينزل كل صباح
من دون جباية،
ولا جدول تجهيز،
ولا بيان.
يملأ السطوح،
ويخزن نفسه
في الجدران
على هيئة حر.
وفي الداخل:
مصباح ينتظر.
مكيّف ينتظر.
بطارية تنتظر.
يرفع الرجل رأسه
إلى الشمس،
ثم يخفضه
إلى المقبس.
بينهما
بلد كامل.
بدأت ألواح سوداء
تظهر فوق بعض البيوت،
كأن السطوح
ألغت الوسيط.
تأخذ شيئاً
من الظهيرة
وتخبئه
لليل.
لم تعد تنتظر
أن تصل الوطنية.
تتفاهم مع الضوء
مباشرة.
لكن الشمس
لا تُصلح وحدها
شبكةً متهالكة،
ولا عقداً مختلاً،
ولا أعواماً ضائعة.
هي فقط
تكشف المفارقة:
بلدٌ
يملك من الضوء
ما يكفي لإحراق جدرانه،
ويطول فيه الطريق
بين الشمس
والمفتاح.
لم تخطئ اللغة.
كان ينقص الكلمة
حرف واحد
من حياتنا.
تراجعت الكاف.
وتقدمت القاف.
فدخل القهر
في التوصيل.
صارت:
القَهْرباء.
هي أن يصبح للهواء
سعر.
وللنوم
أمبير.
وللظلام
فاتورة ثانية.
أن تتذكرك القائمة
حين ينساك التيار.
أن تقول الوزارة:
ضائعات.
ويعرف البيت
أن الكلمة
أوسع من الأسلاك.
أن تمر الحياة
بين كلمتين:
إجت.
طفت.
وأن يتعلم الطفل
الفارق بينهما
قبل أن يتعلم
كيف تعمل الكهرباء.
القَهْرباء
ليست الظلام.
فالظلام
حالة مكتملة.
القَهْرباء
أن يصبح الضوء نفسه
غير موثوق.
في آخر الليل
عاد التيار.
أضاء المصباح.
لم يصفق أحد.
ظل الرجل
ينظر إليه قليلاً.
ثم مد يده
إلى المفتاح
وأطفأه بنفسه.
جلس
في العتمة التي اختارها.
للمرة الأولى
لم يكن الانطفاء
قراراً اتُّخذ عنه.
توقيعه هو.